ليش نحتاج تصفيق الآخرين حتى نصدق إنجازنا؟

اخر تحديث:
نقطة تحول ناشر موثوق

محتويات المقال

ليش نحتاج تصفيق الآخرين حتى نصدق إنجازنا؟


زميل قديم بالشغل، خلينا نسميه طارق، أنهى مشروع كبير كان يشتغل عليه لأشهر. لما خلصه، أول شي سواه إنه نشر عنه بمواقع التواصل، وبعدها قضى الساعات الجاية يفتح الجوال كل شوي، يتابع عدد اللايكات والتعليقات.

شخص يقف أمام المرآة ممسكًا بإنجاز حققه، بينما يظهر خلفه جمهور يصفق، في إشارة إلى الاعتماد على تقدير الآخرين لتصديق قيمة الإنجاز.
إنجازك لا يصبح حقيقيًا لأن الآخرين صفقوا له... أنت تعرف قيمته قبل تصفيقهم.

سألته: "كيف تحس بإنجازك هذا؟" قال لي: "الصراحة، لسا ما حاسس بشي، منتظر أشوف ردة فعل الناس أول". هذا الجواب، رغم بساطته، يكشف نمط خطير: طارق ما كان يقدر يحس بقيمة إنجازه الشخصي إلا بعد ما يتأكد إن ناس ثانيين شافوه وقدروه، وكأن العمل نفسه، مهما كان جيد، يبقى ناقص القيمة لحد ما يحصل على ختم موافقة من جمهور خارجي.

بعد يومين، لما التفاعل كان أقل مما توقع، حس طارق بإحباط غريب، رغم إن المشروع نفسه - بمعايير موضوعية - كان إنجاز حقيقي واستحق كل الجهد اللي بذله فيه. المشكلة ما كانت بجودة الإنجاز، كانت بمصدر تقييمه: خارجي بالكامل، مو داخلي منه هو.

ليش نبني قيمتنا على تقييم الآخرين؟


من الصغر، نتعلم نربط "القيمة" بردود فعل خارجية: درجة بالمدرسة، مدح من الأهل، إعجاب من المعلم. هذا التعلم طبيعي بمرحلة الطفولة، لأن الطفل فعلاً يحتاج توجيه خارجي يساعده يفهم شنو صح وشنو خطأ.

المشكلة إن كثير منا يكبر بدون ما يطور نظام تقييم داخلي موازي، فيبقى معتمد بشكل شبه كامل على التقييم الخارجي حتى بمرحلة الرشد، لدرجة يصعب عليه يحس بقيمة أي إنجاز بدون تأكيد خارجي يثبت له إنه "فعلاً كان إنجاز يستاهل".

مواقع التواصل زادت هذي المشكلة بشكل كبير، لأنها حولت التقييم الخارجي لشي فوري وقابل للقياس بالأرقام (لايكات، تعليقات، مشاهدات)، وخلتنا نتعود على انتظار هذي الأرقام كمقياس مباشر لقيمة أي شي نسويه، بدل ما نطور إحساس داخلي مستقل عن هذي الأرقام.

المشكلة الحقيقية: تقييمك يصير رهينة لناس ثانيين


لما تعتمد بشكل كامل على تقييم الآخرين لتحدد قيمة إنجازاتك، أنت فعلياً تعطي شخص ثاني (أو حتى خوارزمية موقع تواصل) سلطة كاملة على شعورك تجاه نفسك. هذا موقف هش جداً، لأن تقييم الآخرين متقلب ومعتمد على عوامل كثيرة ما لها علاقة بجودة إنجازك الفعلي: وقت النشر، مزاج المتابعين، حتى خوارزمية المنصة نفسها.

بمعنى ثاني: لو قيمتك مبنية بالكامل على تصفيق خارجي، أنت بموقف ضعيف باستمرار، لأن هذا التصفيق ممكن يجي أو ما يجي، بغض النظر عن جودة اللي سويته فعلاً. وهذا التذبذب المستمر بين "أنا ناجح" و"أنا فاشل"، بناءً على عدد لايكات أو تعليقات، مرهق نفسياً على المدى الطويل.

كيف تبني نظام تقييم داخلي؟


الخطوة الأولى هي إنك تسأل نفسك، بعد أي إنجاز، سؤال قبل ما تشوف ردة فعل أي أحد: هل أنا راضٍ عن هذا العمل بمعاييري أنا الشخصية؟ هل حققت الهدف اللي حطيته لنفسي، بغض النظر عن شنو بيقول الناس؟

هذا السؤال، رغم بساطته، يعيد التركيز لمكانه الصحيح: منك أنت، مو من الآخرين. جرب تكتب - حتى لو بجملة وحدة - تقييمك الشخصي لأي إنجاز قبل ما تعرضه على أي أحد. هذا التمرين يساعدك تفصل بين "شعوري تجاه عملي" و"شعور الآخرين تجاهه"، وتدريجياً يقوي إحساسك الداخلي المستقل.

طارق، وكيف غيّر علاقته بهذا الموضوع


بعد ما تكلمنا، طارق قرر يجرب شي مختلف بمشروعه الجاي: قبل ما ينشره لأي أحد، يكتب لنفسه فقرة قصيرة يقيّم فيها العمل بمعاييره الخاصة، ويحدد شنو يحس تجاهه بصدق، بدون تأثير أي رأي خارجي بعد.

قال لي بعد فترة: "أول مرة سويت هذا، حسيت بغرابة، كأني أحاول أقنع نفسي بشي. لكن مع التكرار، صرت فعلاً أحس بثقة أكبر بتقييمي الشخصي، وصار تفاعل الناس شي إضافي يسعدني لو صار، مو شي أعتمد عليه بشكل كامل عشان أحس بقيمة شغلي".

هل هذا يعني نتجاهل رأي الآخرين تماماً؟


لأ، وهذا مو الهدف من الفكرة. رأي الآخرين مهم ومفيد، خصوصاً لو جاي من مصدر موثوق وله خبرة حقيقية بمجالك. الفكرة مو تتجاهل كل تقييم خارجي، الفكرة إنك ما تخلي هذا التقييم هو المصدر الوحيد لإحساسك بقيمة نفسك أو عملك.

فيه فرق بين "أستفيد من ملاحظات الآخرين لأتحسن" وبين "أنتظر موافقة الآخرين حتى أسمح لنفسي أحس بالرضا عن عملي". الأول صحي ومفيد، الثاني يخليك رهينة دائمة لتقلبات آراء ناس ثانيين، ما لهم سيطرة على معاييرهم أو مزاجهم أصلاً.

علامات تدل إنك معتمد بشكل مفرط على التقييم الخارجي


فيه إشارات تساعدك تلاحظ هذا النمط عندك: هل تحس بقلق شديد أو فراغ لو نشرت شي وما جاك تفاعل متوقع؟ هل تلاحظ نفسك تفتح الجوال باستمرار بعد أي إنجاز، تتابع ردود الفعل، بدل ما تنتقل لمهمة ثانية بهدوء؟ هل صعب عليك تحس بالفخر من إنجاز ما شافه أحد ثاني؟

لو لاحظت هذي الأنماط عندك، هذا مو عيب أو ضعف، هو بس إشارة إن نظام التقييم الداخلي عندك يحتاج تقوية، وهذا شي تقدر تشتغل عليه تدريجياً، بالضبط زي أي مهارة ثانية.

الفرق بين الإنجاز و إعلان الإنجاز


نقطة تستاهل توضيح: فيه فرق بين لحظة تحقيق الإنجاز نفسه، ولحظة إعلانه للآخرين. المشكلة تصير لما ندمج اللحظتين ببعض، ونؤجل شعورنا بالرضا لحد ما نعلن الإنجاز ونشوف ردة فعل الناس عليه.

جرب تفصل بين اللحظتين عمداً: امنح نفسك وقت - حتى لو ساعة أو يوم - تعيش فيها بالإنجاز نفسه، بدون التفكير بإعلانه أو مشاركته مع أحد. هذا الفصل يساعدك تبني علاقة أنقى مع إنجازك، بعيداً عن الضغط الفوري لتقييم الآخرين له.

بناء ملف إنجازات شخصي بعيد عن أعين الآخرين


فكرة عملية تساعد على المدى الطويل: احتفظ بملاحظة خاصة (دفتر، ملف بجوالك) تكتب فيها إنجازاتك ولحظات فخرك بنفسك، بعيداً تماماً عن أي مكان يشوفه أحد ثاني. هذا الملف يصير مرجع شخصي ترجع له بلحظات الشك، يذكرك إن قيمتك ما تعتمد على تصفيق لحظي من أحد.

مع الوقت، هذا الملف يصير دليل ملموس على نمط متكرر من الإنجازات الشخصية، بعيداً عن تقلبات ردود الفعل الخارجية. تقدر ترجع له أي وقت تحس فيه بالشك أو الحاجة لتأكيد خارجي، وتتذكر إنك سبق وحققت أشياء تستاهل الفخر، بغض النظر عمن شافها أو لم يشفها وقتها.

لما تجد نفسك تقارن ردود الفعل بين إنجازاتك المختلفة
فيه سلوك شائع يستاهل الانتباه له: مقارنة تفاعل الناس بين إنجاز وإنجاز، واستنتاج إن "الأضعف تفاعلاً" أقل قيمة من "الأقوى تفاعلاً". هذا استنتاج خاطئ غالباً، لأن التفاعل يتأثر بعوامل كثيرة (توقيت النشر، مزاج الجمهور، حتى الخوارزمية نفسها) ما لها علاقة مباشرة بجودة العمل الفعلي.

جرب تتذكر هذا كل ما وقعت بمقارنة كهذي: عمل قلّ تفاعله ما يعني بالضرورة إنه أضعف من عمل حصل تفاعل أكبر. أحياناً أفضل أعمالك تمر بهدوء، وأحياناً أعمال بسيطة تحصل انتشار غير متوقع لأسباب ما لها علاقة بجودتها الفعلية، وهذا فرق مهم تستاهل تتذكره كل مرة تحس فيها بخيبة أمل من تفاعل أقل من المتوقع.

قصة ثانية: لما الصمت يكون أقوى من التصفيق


فيه مفارقة جميلة تستاهل التفكير فيها: بعض أعظم الإنجازات بالتاريخ تحققت بصمت، بدون أي تصفيق فوري. فنان رسم لوحة ما شافها أحد لسنين، كاتب ألّف نص ما نُشر إلا بعد وفاته. هذا لا يعني إن التقدير الخارجي غير مهم، لكنه يذكرنا إن قيمة العمل الحقيقية موجودة بذاته، مو بس بردة فعل من شافه أو لم يشفه بعد.

الخلاصة

الحاجة للتصفيق الخارجي طبيعية إلى حد معين، لكن لما تصير هي المصدر الوحيد اللي يخليك تحس بقيمة إنجازاتك، أنت فعلياً تعطي سلطة كبيرة جداً لناس ثانيين على شعورك تجاه نفسك.

في المرة الجاية اللي تنجز فيها شي، جرب تسأل نفسك أول: هل أنا راضٍ عن هذا بمعاييري الشخصية؟ قبل ما تسأل: شنو رح يقول الناس عنه. هذا الترتيب البسيط بالأسئلة قد يكون الفرق بين ثقة مستقرة ومستقلة، وثقة متذبذبة تتوقف على مزاج ورأي كل من يشوف عملك، بدل ما تكون نابعة من داخلك أنت، بمعزل عن أي رأي خارجي متقلب.

طارق نفسه، بعد أشهر من تطبيق هذا التمرين، يقول اليوم إنه ما زال يفرح بردود الفعل الإيجابية، لكنه ما عاد يعتمد عليها ليحدد قيمة عمله من الأساس، وهذا الفرق البسيط غيّر علاقته بالعمل والإنجاز بشكل جذري.

لا تجعل تصفيق الآخرين هو الدليل الوحيد على أنك أنجزت شيئًا يستحق الفخر.
شارك المقال:

التعليقات