توقف عن الاعتذار عن وجودك... طريقة كلامك عن نفسك تغيّر شعورك تجاهها

اخر تحديث:
نقطة تحول ناشر موثوق

محتويات المقال

توقف عن الاعتذار عن وجودك... طريقة كلامك عن نفسك تغيّر شعورك تجاهها


فيه صديقة عندي، خلينا نسميها رهف، تبدأ كل رسالة بالشغل بجملة "آسفة على الإزعاج". حتى لو كانت الرسالة بخصوص شي هي مسؤولة عنه مباشرة، وما فيها أي إزعاج فعلي. سألتها مرة ليش تسوي كذا، قالت لي: "ما أدري، بس أحس لازم أخفف من وقع كلامي على الطرف الثاني.

شخص يقف بثقة أمام انعكاسه، في إشارة إلى أهمية التوقف عن الاعتذار عن وجودك وتغيير طريقة حديثك عن نفسك.
طريقة كلامك عن نفسك تغيّر شعورك تجاهها.


هذا التصرف، اللي يبدو بسيط وحتى "مؤدب"، هو فعلياً واحد من أكثر العادات اللي تآكل الثقة بالنفس يوم بعد يوم، بدون ما نلاحظ.

الكلمات اللي نستخدمها تبني الصورة اللي نشوف فيها أنفسنا


فيه فكرة بسيطة لكن قوية: احنا ما نتكلم بس عن أنفسنا، احنا فعلياً نبرمج أنفسنا بكل جملة نقولها عن ذاتنا. لما تقول "آسف على الإزعاج" قبل كل طلب، جسمك وعقلك يستقبلون رسالة ضمنية: "وجودي أو طلبي شي يحتاج اعتذار". كرر هذي الرسالة عشرات المرات باليوم، لأشهر أو سنين، وبتلقى نفسك فعلاً مقتنع إنك "شخص يزعج الآخرين" حتى لو ما كان هذا صحيح من الأساس.

نفس الشي ينطبق على عبارات ثانية نستخدمها بدون تفكير:

أنا بس رأيي..." قبل ما تشارك فكرة قوية ومدروسة. "ما أدري إذا هذا صحيح بس..." قبل معلومة أنت متأكد منها فعلاً. "معذرة لو سؤالي غبي..." قبل سؤال منطقي تماماً.

كل هذي العبارات، رغم إنها تبدو "تواضع" أو "أدب"، هي فعلياً طريقة نصغّر فيها أنفسنا قبل ما حتى يعطينا أحد فرصة يحكم علينا. وكأننا نحكم على أنفسنا بالسلب مسبقاً، عشان "نتوقع" رد فعل سلبي محتمل.

ليش نسوي هذا أصلاً؟


الإجابة غالباً تعود لخوف قديم: خوف من إننا "نزعج"، أو "ناخذ مساحة أكثر من اللازم"، أو "نبين متأكدين من أنفسنا أكثر من اللازم فينزعج منا أحد". هذا الخوف، لأسباب كثيرة تختلف من شخص لآخر، يخلينا نطور عادة لغوية دفاعية: نصغّر كلامنا قبل ما أحد يصغّره لنا.

المشكلة إن هذا "الدرع" اللي نبنيه بكلامنا، بدل ما يحمينا، يصير هو نفسه سبب إحساسنا بعدم الثقة. لأننا نكرر لأنفسنا، بشكل غير مباشر، إننا مو مستحقين لمساحتنا الطبيعية بالكلام أو الطلب أو التعبير عن رأينا.

رهف، وكيف تغيّر الموضوع فعلياً


بعد ما تكلمنا عن الموضوع، رهف قررت تجرب شي بسيط: لمدة أسبوعين بس، كل ما تحس إنها بتقول "آسفة"، توقف وتسأل نفسها: هل فعلاً سويت شي يستاهل اعتذار؟ أغلب الأوقات، الجواب كان لأ.

بدل "آسفة على الإزعاج، بس ممكن تراجع الملف؟"، صارت تقول "ممكن تراجع الملف لو عندك وقت؟". نفس الطلب بالضبط، بس بدون التصغير المسبق لنفسها ولطلبها.

بعد الأسبوعين، قالت لي شي لافت: "ما تغيّر شي بردود فعل الناس تجاهي، بس تغيّر شي بإحساسي أنا تجاه نفسي. صرت أحس إن كلامي له وزن، مو لأن أحد قال لي كذا، بس لأني توقفت أصغّره بنفسي أول.

هذا بالضبط جوهر الموضوع: الثقة ما بنتها ردة فعل الآخرين، بنتها الطريقة اللي تعامل فيها نفسك، وأول مكان يظهر فيه هذا التعامل هو كلامك.

الفرق بين التواضع و تصغير الذات


نقطة مهمة لازم نوضحها: هذا الكلام مو دعوة إنك تصير متكبر أو تتكلم بثقة زايدة عن اللزوم. فيه فرق واضح بين التواضع الحقيقي، اللي يجي من مكان قوة وأمان داخلي، وبين تصغير الذات، اللي يجي من مكان خوف وقلق.

الشخص المتواضع فعلاً يقدر يقول "أنا متأكد من هذي المعلومة" بدون ما يحس بالغرور، لأنه واثق من قيمة كلامه بشكل طبيعي، مو متعالي. بينما الشخص اللي يصغّر نفسه باستمرار، يفعل ذلك مو لأنه متواضع، بل لأنه خايف من رد فعل محتمل، حتى لو ما كان هذا الخوف مبرر أصلاً.

الفرق يبان بوضوح لما تسأل نفسك: هل أنا أقول هذا الكلام لأني فعلاً أحس كذا، أو لأني بحاول أتفادى رد فعل سلبي متخيل بذهني بس؟

تمرين بسيط تقدر تبدأ فيه اليوم


لمدة أسبوع بس، راقب كلامك (مكتوب ومحكي) وحاول تلاحظ كل مرة تستخدم فيها عبارة تصغّر بيها نفسك أو طلبك أو رأيك قبل ما حتى تقوله. مو لازم تغيّر كل شي فوراً، بس لاحظ العدد. غالباً بتتفاجأ بكم مرة تسويها باليوم الواحد بدون ما تنتبه.

بعدها، جرب تستبدل جملة وحدة بس، مو كلها. مثلاً بدل "ما أدري إذا رأيي صح بس..."، جرب تقول رأيك مباشرة بدون هذي المقدمة، وشوف شعورك بعدها.

الهدف مو تغيير جذري بيوم واحد، الهدف إنك تبدأ تلاحظ العلاقة بين كلامك عن نفسك وإحساسك تجاهها، وهذا الوعي نفسه هو أول خطوة حقيقية للتغيير.

عبارات ثانية ما ننتبه لها


فيه عبارات ثانية كثيرة تسوي نفس الشي بدون ما نلاحظ. "بس فكرة بسيطة، ممكن ما تكون مفيدة" قبل ما تعرض حل عملي فعلاً فكرت فيه بعناية. "أكيد تعرف هذا أحسن مني" لما تتكلم مع شخص أعلى منك بالخبرة، حتى لو رأيك مبني على معلومة صحيحة. "بس أنا مو خبير بس..." قبل رأي مدروس بمجال تشتغل فيه فعلاً من سنين.

المشترك بين كل هذي العبارات إنها تحط "درع اعتذاري" قبل الفكرة نفسها، وكأننا نطلب سماح مسبق على وجودنا بالمحادثة. ولو لاحظت نفسك تستخدم وحدة منها بشكل متكرر، جرب تحذفها من الجملة وشوف إذا المعنى تغيّر فعلاً، غالباً بتلقى إن الجملة تصير أقوى وأوضح بدونها.

شنو لو حسّيت إن الناس تفسر كلامك المباشر كغرور؟


هذا خوف حقيقي عند كثير من الناس، خصوصاً لو كبروا بثقافة تربط التواضع بتصغير النفس. الجواب هنا يعتمد على نبرتك وسياقك، مو بس الكلمات نفسها. تقدر تكون مباشر وواضح بدون ما تكون فظ أو متعالي، والفرق يبان بأشياء بسيطة: نبرة صوتك، انفتاحك لسماع رأي مخالف بعد ما تعرض رأيك، واستعدادك تقول "ما أدري" لما فعلاً ما تعرف، بدل ما تدّعي معرفة زايفة.

المباشرة مو عكس التواضع، عكس المباشرة هو الغموض والتردد. تقدر تكون مباشر ومتواضع بنفس الوقت، والناس اللي حولك، مع الوقت، يميزون الفرق بين ثقة صحية وغرور فعلي.

من وين نتعلم هذي العادة أصلاً؟


كثير من الناس يكتسبون عادة تصغير الذات من بيئة كبروا فيها، مدرسة تعاقب على "الثقة الزايدة" أو بيت يربط التواضع بعدم إظهار الرأي بصراحة. المشكلة إن هذا التعلم صار جزء تلقائي من طريقة كلامنا، لدرجة إننا ما نلاحظه إلا لما حد يشير له مباشرة.

الخبر الجيد إن اللي اتعلم بطريقة، يقدر يتعلم بطريقة ثانية. مو لازم "تعالج" كل الأسباب اللي خلتك تطور هذي العادة، يكفي إنك تبدأ تلاحظها بالحاضر، وتبني عادة جديدة فوقها بالتكرار، بالضبط زي أي مهارة ثانية تتعلمها بالحياة.

الفرق بين البيئة اللي تدعمك والبيئة اللي تصغّرك


فيه عامل ثاني مهم يستاهل نذكره: الأشخاص اللي حولك يأثرون على سرعة تطورك بهذا الموضوع. لو محاط بناس يقاطعونك باستمرار، أو يستخفون برأيك، بيكون التغيير أصعب وأبطأ، مو لأنك ضعيف، بل لأن البيئة نفسها تعزز نفس النمط القديم.

لو قدرت، حاول تحيط نفسك - حتى لو بشكل تدريجي - بناس يشجعونك تتكلم بوضوح، ويستمعون فعلاً لما تتكلم. هذا مو رفاهية، هو جزء أساسي من عملية بناء ثقة صحية ومستدامة.
وحتى لو ما قدرت تغيّر بيئتك بالكامل بين ليلة وضحاها، وعيك بتأثيرها عليك خطوة مهمة بحد ذاتها، تخليك تفرّق بين صوتك الحقيقي وبين الصوت اللي تشكّل بسبب بيئة معينة أثرت فيك لفترة طويلة.

الخلاصة

ثقتك بنفسك ما تبنى بس من مواقف كبيرة أو إنجازات ضخمة، تبنى كمان من التفاصيل الصغيرة اليومية، وأهمها الطريقة اللي تتكلم فيها عن نفسك، حتى بأبسط الجمل اليومية.

في المرة الجاية اللي بتحس فيها إنك بتقول "آسف" أو "بس رأيي" أو "معذرة لو سؤالي غبي"، وقف ثانية واسأل نفسك: هل هذا الاعتذار فعلاً له سبب حقيقي، أو هو بس عادة قديمة صارت تتكلم نيابة عني؟

التغيير هنا ما يصير بيوم واحد ولا بقرار عابر، يصير بملاحظة متكررة، مرة بعد مرة، يوم بعد يوم، لين تصير الجملة الجديدة (المباشرة، الواضحة، بدون تصغير مسبق) هي الافتراضية اللي يخرجها لسانك بدون تفكير، مو الاستثناء اللي يحتاج مجهود واعي كل مرة. وبالضبط زي ما شافت رهف، التغيير الحقيقي ما يبان بردة فعل الآخرين أول، يبان بإحساسك أنت تجاه صوتك ووجودك بالمحادثة، وهذا الإحساس، مع الوقت، هو أساس أي ثقة حقيقية تدوم.

الكلمات التي تقولها عن نفسك كل يوم قد تكون بداية ثقتك بنفسك أو سببًا في إضعافها
شارك المقال:

التعليقات